هشام جعيط

206

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

مكة كانت مكة « أم القرى » « 1 » ويعني ذلك حرفيا أم المدن . وقد سميت يثرب كذلك « أم القرى » الملتصقة بها « 2 » . ويدل هذا المفهوم على المركزية والتفوق . من الممكن أن تكون مكة قد مثلت نواة لتجمع تجاورت فيه البلدات والأرباض والمنشآت المستقرة المحيطة المرتبطة بالمعابد . ومن الممكن أيضا أن عبارة « أم القرى » ترمز إلى التفوق على مدن غربي بلاد العرب وتدل على فكرة المركز الذي يتجه إليه الجميع « 3 » . هناك عدة خاصيات ترسم فورا شخصية مكة . فهي حرم أو بالأحرى تقع في حرم . وهي مقر للكعبة . وتتم شعائر الحج المقدس حولها لا بداخلها وهي الشعائر التي يجب تفريقها عن العبادة المخصصة للبيت « 4 » المكّي الصرف والمركّز على الكعبة . هذا اتجاه ديني مميز مهم ومؤثر ، ولا شك أنه يسبق البقية ويسيطر عليها ، أي الإقامة المدنية والنشاط التجاري . والملاحظ أن مكة بصفتها مدينة ، أنشئت حقا أو تشكلت مع بروز دور القرشيين وبفضل ما قام به قصيّ من عمل ، وهو شخصية تقع بين الأسطورة والواقع التاريخي . إن قريشا بصفتها مجموعة بشرية شديدة التماسك ، وكشخص جماعي - لا يقال بنو قريش أبدا - تمثل روح هذه المدينة . فإذا كان الحرم المكان المقدس الواسع - 60 كيلومترا في 20 كيلومترا في أقصى امتداد له - « 5 » هو الذي يسيطر على المجموع ويحيط به ، فإن مكة بالذات تمثل مجالا مدنيا ماديا متميزا ، مع بيتها الخاص بها أي الكعبة . وقد منحت قريش لمكة الشخصية المعنوية ، فجعلت منها مدينة بالمعنى المؤسسي ، ذات هوية متميزة بقوة فائقة . لقد كتبت أبحاث مفيدة جدا منذ عشرين سنة عن مفهوم الحرم « 6 » والمقصود به أرض

--> - وكان يتحدّث إبراهيم عن جفاء أسد وتميم . ونرى على العكس أن الشعبي ، المرجع نفسه ، ص 252 ، كان يتعمم « بعمامة حمراء » من صنع يمني . ويجب التذكير بأهمية الصناعة اليمنية خاصة في السلاح والنسيج وبقائها باليمن وخارجه في الكوفة مثلا - مدة طويلة ، مثلا في القرن الرابع : البغدادي ، الخزانة ج 1 ، ص 382 . وهو دليل على استمرار إحدى قواعد الحضارة اليمنية القديمة . إن هذه الحضارة لم تتغذ من تجارة البخور فحسب ، لكن من الصناعة والزراعة المائية أيضا . إنما من الممكن أن تكون الصناعة نتاج تطوّر متأخر بالنسبة للتجارة . ( 1 ) لسان العرب ، ج 15 ، ص 178 . ( 2 ) السمهودي ، وفاء ، ج 1 ، ص 8 وما بعدها . ( 3 ) لسان العرب ، ج 15 ، ص 178 ، يفسر ذلك بأن « أهل القرى يؤمونها أي يتجهون إليها » . لكن عبارة « أم الكتاب » تعني في القرآن ، سورة الزخرف ، 4 ، نواة الكتاب وقلبه . ( 4 ) الأزرقي ، ج 1 ، ص 126 ؛ ياقوت ج 5 ، ص 181 ؛ . Kister , Mecca and Tamim , p . 139 . ( 5 ) الأزرقي ، ج 2 ، ص 62 ، 130 ؛ السيرة ، ص 118 ؛ معجم البلدان ج 2 ، ص 244 وما بعدها . ( 6 ) انظر ما سبق : أبحاث Kister , Serjeant و . Nagel